حي الشيخ جراح.. القصة الكاملة لمأساة الفلسطينيين



الجرائم في القدس متواصلة ولا أفق لتوقفها.. وفي حي الشيخ جراح لا وجود لأية إشارة لنهاية العنف الذي يمارسه المحتل الإسرائيلي ضد الفلسطينيين العزل.


حي الشيخ جراح الذي تعود جذوره التاريخية إلى القرن الثاني عشر، بدأت مأساته في العام 1956 حين استقرت 28 عائلة فلسطينية من اللاجئين فيه إثر اتفاق بين الأردن ووكالة الأونروا بعد أن تم تهجيرهم من منازلهم إثر النكبة عام 1948... وكما كل الفلسطينيين استمرت نكبتهم وتجددت بشكل يومي.

 

ويقول الائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس، إن الحكومة الأردنية وفّرت الأرض وتبرعت الوكالة بتكاليف إنشاء 28 منزلا، وكان من أهم شروط التعاقد الرئيسة قيام السكان بدفع أجرة رمزية على أن يتم تفويض الملكية لهم بعد انقضاء ثلاث سنوات من إتمام البناء، الأمر الذي لم يتم فعليا حتى تم احتلال الضفة الغربية من قبل القوات الصهيونية في عام 1967 ليكون مانعا لذلك التفويض.

 

ماذا قالت الحكومة الأردنية؟

أعلنت وزارة الخارجية الأردنية الخميس الماضي (29 أبريل/ نيسان الجاري)، عن مصادقتها على 14 اتفاقية، وتسليمها إلى أهالي حي الشيخ جراح في القدس الشرقية، عبر وزارة الخارجية الفلسطينية، وهي وثائق جديدة تضاف إلى مجموعة من وثائق سابقة كانت قد سلمتها أيضا للجانب الفلسطيني، تدعم تثبيت حقوق أهالي الحي بأراضيهم وممتلكاتهم.

 

وقالت الوزارة في بيان، إنها سلمت الأهالي شهادة تُبين أن وزارة الإنشاء والتعمير الأردنية، عقدت اتفاقية مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لإنشاء 28 وحدة سكنية في حي الشيخ جراح، وعقدت اتفاقيات فردية مع الأهالي لإقامة مساكن لهم في الحي، وأنها تعهدت بموجب الاتفاقيات أن يتم تفويض وتسجيل ملكية الوحدات السكنية بأسمائهم، ولكن نتيجة لحرب 67 فإن عملية التفويض وتسجيل الملكية لم تتم”.

 

وأشارت وزارة الخارجية الأردنية إلى أنها زودت في وقت سابق، الجانب الفلسطيني بكافة الوثائق المتوفرة لديها والتي يمكن أن تساعد المقدسيين على الحفاظ على حقوقهم كاملة، من عقود إيجار وكشوفات بأسماء المستفيدين ومراسلات، إضافة إلى نسخة من الاتفاقية عقدت مع الأونروا عام 1954.

 

بدء المعاناة في عام 1972

يشير محمد الصباغ، أحد سكان الحي، إلى أن معاناة السكان بدأت عام 1972، حينما زعمت لجنة طائفة السفارديم، ولجنة كنيست سلطات الاحتلال (لجنة اليهود الأشكناز) إنهما كانتا في عام 1885 تمتلكان الأرض التي أقيمت عليها المنازل.

 

وفي شهر يوليو/ تموز من عام 1972 طلبت الجمعيتان الإسرائيليتان من المحكمة إخلاء 4 عائلات من منازلها في الحي بداعي “الاعتداء على أملاك الغير دون وجه حق”، بحسب الائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس.

 

وأضاف: “قامت العائلات بتوكيل محامٍ للترافع عنها، وفي عام 1976 صدر حكم من محاكم الاحتلال لصالح العائلات الأربع التي رُفعت الدعوى ضدها، ينص على أن العائلات الأربع موجودة بشكل قانوني وحسب صلاحيات الحكومة الأردنية، وأنها غير معتدية على الأرض”.

 

لكنّ المحكمة قررت بحسب الصباغ، أن الأرض تعود ملكيتها إلى الجمعيات الإسرائيلية، حسب التسجيل الجديد، الذي تم بدائرة الطابو (تسجيل الأراضي) الإسرائيلية دون النظر ببينة التسجيل الذي تم عام 1972.

 

القانون العنصري الذي شرّع التهجير

في عام 1970، تم سن قانون الشؤون القانونية والإدارية في سلطات الاحتلال، والذي نص، من بين أمور أخرى، على أن اليهود الذين فقدوا ممتلكاتهم في القدس الشرقية عام 1948 يمكنهم استردادها إلى ملكيتهم.

 

وقالت حركة “السلام الآن” الإسرائيلية: “من المهم الإشارة إلى أن قانون (أملاك الغائبين لعام 1950) لا يسمح للفلسطينيين الذين فقدوا ممتلكاتهم عام 1948 باستعادتها، ويسمح بنقل الأصول إلى حوزة الدولة”.

 

وأضافت: “وهكذا، ودون التصريح بذلك صراحة، ينص القانون الإسرائيلي على وجود قانون مختلف لليهود والفلسطينيين”.

 

وتابعت حركة السلام الآن: “علاوة على ذلك، حرصت حكومة الاحتلال على تعويض جميع اليهود الذين فقدوا ممتلكاتهم عام 1948، ومنحتهم أصولًا بديلة ومن ثم، يحق لأصحاب العقارات بموجب قانون الشؤون القانونية والإدارية مضاعفة التعويض عن الخسارة في عام 1948”.

 

اتفاقية دون علم السكان

ويلفت الصباغ إلى أن السكان تعرضوا بداية حقبة التسعينيات من القرن الماضي، إلى خديعة وخيانة من قبل محام الاحتلال وكّلوه للدفاع عنهم.

 

ويضيف موضحا: “في عام 1982، تقدمت الجمعيات الاستيطانية الإسرائيلية بدعوى إخلاء ضد 24 عائلة في حي الشيخ جراح”.

 

ووكّلت 17 عائلة، المحامي الإسرائيلي توسيا كوهين، للدفاع عنها، حيث استمرت المعركة القانونية دون أن تستطيع الجمعيات الاستيطانية إثبات الملكية حتى عام 1991.

 

واستدرك الصباغ: “في عام 1991 تم عقد صفقة، اعترف بموجبها المحامي كوهين، بتوقيع باسم سكان الحي ودون علمهم، أن ملكية تلك الأرض تعود للجمعيات الاستيطانية”.

 

وأضاف: “تم منح أهالي الحي وضعية مستأجرين، يسري عليهم قانون حماية المستأجر”.

 

وبحسب الائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس، فإن ما فعله المحامي، وَضَعَ العائلات الفلسطينية “تحت طائلة الإخلاء في حالة عدم دفعها الإيجار للجمعيات الاستيطانية”.

 

وقال: “اكتشف السكان بأن الصفقة مؤامرة، أضرت بهم كثيرا، وثبتت الملكية للمستوطنين وعلى إثر ذلك لم تدفع العائلات الإيجار”.

 

واستمرت محاكم الاحتلال بالنظر في قضايا متبادلة، بين السكان والجمعيات الاستيطانية.

 

دعوى مضادة تستند إلى الطابو العثماني

ومستندا إلى وثائق الطابو العثماني، التي تم جلبها من تركيا، قدم المواطن سليمان درويش حجازي في عام 1997 دعوى إلى المحكمة المركزية الإسرائيلية، أكد فيها ملكيته للأرض المقامة عليها المنازل في الشيخ جراح.

 

غير أن المحكمة رفضت في عام 2005 الدعوى التي قدمها حجازي، معتبرة أن الأوراق التي بحوزته لا تثبت ملكيته للأرض.

 

وفي عام 2006 ردت المحكمة العليا للاحتلال استئناف حجازي بخصوص ملكية الأرض.

 

الجمعيات تبيع الأرض لشركة استيطانية

وفي تطور ملفت للأحداث، قامت الجمعيات الاستيطانية، في عام 2003، ببيع حقوق الملكية بالأرض إلى شركة “نحلات شمعون” الاستيطانية.

 

بدء عمليات الإخلاء

وعلى مدى سنوات، نظرت محاكم الاحتلال بقضايا مقدمة من الجمعيات الاستيطانية ضد السكان الفلسطينيين، واستئنافات للسكان ضد قرارات صدرت لصالح المستوطنين.

 

ولكن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2008، تم إخلاء عائلة الكرد من منزلها، وتكرر المشهد في أغسطس/ آب 2009 حينما تم طرد عائلتي حنون والغاوي من منزليهما.

 

وانتقل مستوطنون للعيش في هذه المنازل، بعد طرد أصحابها منها، وتم رفع الأعلام الاحتلال عليها إيذانا بمرحلة جديدة لمعاناة السكان بالحي.

 

ماذا يقول القانون الدولي؟

 

يمكن أن يستمر الجدل القانوني على الأراضي الموجودة في الحي لسنوات، في ظل ارتفاع عدد القضايا التي ترفعها الجمعيات اليهودية بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

 

ويرى رئيس منظمة "جوستيسيا" (JUSTICIA) الحقوقية وأستاذ القانون الدولي، الدكتور بول مرقص، أن "نزع ملكية الأراضي من الفلسطينيين في حي الشيخ جراح تشكل خرقا للقانون الدولي الإنساني".

 

وأضاف مرقص في تصريحات إعلامية، إن قرارات محاكم الاحتلال لا تستند إلى مسوغ قانوني؛ لأن أهالي القدس جزء من الشعب الفلسطيني الذي يقطن أراضي عام 1967، وهي أراضي دولة فلسطين التي أقرها العالم واعترف بها".

 

وأوضح أن "القاعدة القانونية لدعاوى المستوطنون اليهود أمام محاكم الاحتلال تقوم على ادعائهم بأن ملكية المنازل في الشيخ جراح تعود لهم وذلك لأن عائلات يهودية عاشت هناك وفرّت عام 1948 عند قيام دولتهم المزعومة "إسرائيل".

 

وأضاف مرقص أن عمليات نزع ملكية الأراضي من الفلسطينيين تخرق القانون الدولي لعدة أسباب أولها أنها "تتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم (2334) الذي طالب سلطات الاحتلال بوقف الاستيطان في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس".

 

وتابع: "كما أنها (إخلاء منازل الفلسطينيين) تنتهك المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، حيث أكد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والجمعية العامة للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومحكمة العدل الدولية والأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة على أنها تنطبق على المستوطنات"

 

كما أن السبب الثالث يتمثل في "انتهاك اتفاقية جنيف الاولى لعام 1864 المتعلقة بحماية حقوق الإنسان الأساسية في حالة الحرب، وحماية المدنيين الموجودين في ساحة المعركة أو في منطقة محتلة".

 

ومع ذلك، يقول مرقص إن "قرار مجلس الأمن 242 لم يضمن معايير واضحة للتعامل مع المقدسيين".

 

ومن المتوقع أن تعقد المحكمة العليا للاحتلال جلسة استماع ثانية، الاثنين، للبت في قرار استئناف العائلات الفلسطينية المتضررة، في الوقت الذي تشهد فيه القدس صدامات يومية بين شرطة الاحتلال والفلسطينيين.


google-playkhamsatmostaqltradent