معركة أنقرة.. لعنة تيمورلنك التي أشعلت الصراع الدموي بين أحفاد المؤسس عثمان



معركة أنقرة هي المعركة التي ضاع بسببها كُل الأرشيف العُثماني العائد لِزمن السلاطين مراد الأول وأباه أورخان وجده المؤسس عثمان.

 

قبل تلك المعركة الفاصلة كانت الدولة العثمانية تمثل خطرًا شديدًا على أوروبا المسيحية التي كان شغلها الشاغل عرقلة تغلغل العثمانيين في البلقان وجهزوا لذلك جيشا ضخما، مزقه السلطان العثماني بايزيد الأول شر ممزق وهزمه هزيمة ساحقة في مدينة نيقوبوليس .

 <><> 

الكاتب جوزيف دهموس، ذكر في كتابه "سبع معارك فاصلة في العصور الوسطى" أن السلطان العثماني بايزيد كان يتطلع في ذلك الوقت إلى الاستيلاء على مدينة القسطنطينية للسيطرة الكاملة على جنوب شرق أوروبا، إلا أن صراعه مع تيمورلنك أجبره على فك الحصار عن القسطنطينية بعدما كاد أن يستولي عليها، وكانت النتيجة لذلك الصراع هزيمته الساحقة في معركة أنقرة وموته في مدينة سمرقند بعد أن تم أسره من قبل تيمور لنك.

 

جوزبف دهموس ذكر أيضًا في كتابه أن شخصية الرجلين كانت تشير إلى أن المعركة بينهما لا مفر منها وأنها ستكون حتى الموت، فتيمور كان يرغب في أن يدين له بالولاء كل الحكام على امتداد حدود إمبراطوريته، وبايزيد لم يكن ليقتنع بأقل من حكمه لامبراطورية تمتد من الدانوب إلى نهر الفرات وربما نهر النيل.

 

وُصفت معركة أنقرة، بأنها الحرب الأكبر على وجه الأرض في العصور الوسطى، كما كانت إحدى أكبر الكوارث التي حلت في تاريخ الدولة العثمانية، وكانت أفضل السيناريوهات التي تمناها العالم المسيحي آنذاك، فالحرب الوشيكة في تلك اللحظة جعلت القسطنطينية تتنفس الصعداء بعد حصار قاسٍ فرضه بايزيد عليهم، ونجدت أوروبا من طموحات العثمانيين.

 

قادة العالم المسيحي أعلنوا عن دعمهم لتيمورلنك وبدأوا المفاوضات معه، وأعربوا عن استعدادهم لمنع أي إمدادات عسكرية تركية تحاول العبور من أوروبا إلى آسيا الصغرى إذا ما شن بايزيد حربًا هناك.

 

دارت المعركة بين الجيشين التتري والعثماني المسلمين، تحت قيادة اثنان من أكبر الحكام العسكريِّين في التاريخ، هما التركيَّان المسلمان تيمورلنك والسلطان بايزيد الأول.

 

وحسب الروايت التاريخية فإن تلك المعركة تسببت في تأخير نمو الدولة العثمانية وفتوحاتها في أوروبا لا سيما فتح القسطنطينية نحو نصف قرن من الزمان، إلى أن جاء عهد السلطان محمد الفاتح.

 

التعداد العسكري للجيشين

 <><> 

اختلف المؤرِّخون سواء المعاصرين أو المحدثين في تقدير أعداد الجنود لدى الطرفين، ومال أغلبهم إلى الإفراط في في تحديد تلك الأعداد، فنجد من قال إن تيمورلنك قاد 140 ألف جندي إلى آسيا الصغرى لملاقاة الجيش العثماني الذي تراوح عدده ما بين 85 ألفًا إلى 120 ألف، وقول آخر بأن مليون مقاتل شاركوا في تلك المعركة الحاسمة، فيما قال آخر إن عدد جيش بايزيد بلغ مليونًا و400 ألف مقاتل، وزاد عنه  جيش تيمورلنك بحوالي 200 ألف مقاتل، إلا أن أكثر الأقوال اعتدالا كان حوالي 20 ألف مقاتل تقريبًا لكل من الجانبين.

 

التفوق المغولي في التخطيط للمعركة

 

أراد السلطان العثماني بايزيد الأول ملاقاة الجيش المغولي خارج أراضي دولته خوفًا من تعرضها للتخريب، فيما كانت خطة تيمورلنك أن يتوغل بقواته داخل الأراضي العثمانية لإرباك بايزيد وجنوده.

 

قاد السلطان بايزيد جيشه خلال أقصر الطرق نحو جيش تيمورلنك عبر الممرَّات والوديان الضيِّقة إلى مدينة سيواس تجاه الشرق حتى اتَّخذ موقعًا بالقرب من نهر قزل أرماق، معتمدًا في ذلك على بعض المعلومات التي وصلته بأن تيمور سيتقدَّم من خلال ذلك الطريق.

 

تيمورلنك وعلى عكس المعلومات التي وصلت بايزيد، جائته التعزيزات من كلِّ أنحاء إمبراطوريَّته، وبدلًا من أن يقود جيشه غربًا على الطريق القصير نفسه، تجنب الاصطدام وجهًا لوجه مع السلطان بايزيد، وسلك الطريق الأطول على امتداد نهر قزل أرماق وأصبح على مقربة من مؤخرة الجيش العثماني.

 

أحداث الحرب الأكبر في العصور الوسطى

 <><> 

لم يكن أمام السلطان بايزيد خيارٍ سوى العودة إلى أنقرة، بعد أن وصلته أنباء وصول تيمورلنك إلى موقعه عبر الطريق الطويل، غير أنَّ عودته هذه كانت عمليَّة مروعة، فمسيرة ثمانية أيام تحت أشعة الشمس في منطقة شديدة الجفاف لم يكن بالأمر الهين، وكان الموقف بالنسبة إلى الجيش العثماني باعثًا على اليأس تمامًا، وكانت الخسارة تلوح في الأفق قبل أن تبدأ المعركة من الأساس.

 

استراتيجيَّة تيمورلنك أرغمت العثمانيِّين على الدخول مباشرة في القتال رغم مشقة الطريق الذي خاضوه خلال عودتهم إلى أنقرة، إذ بلغ رجال بايزيد حد الانهاك والمعاناة بعد أن أرهقهم طول مسير العودة، فضلًا عن شدة العطش التي عانوا منها حيث قطع الجيش المغولي إمدادات المياه عنهم ولم يكن هناك أمل في حصولهم على ماء.

 

وعلى بعد ميل من مدينة أنقرة وتحديدًا عند سهل شيبو كاباد (جبق آباد) بدأ الصدام بين الجيشين واستمرَّت المعركة من شروق الشمس إلى العصر.

 

ورغم كل تلك المقدمات بدأت أحداث المعركة لصالح العثمانيِّين أوَّلًا وأظهر السلطان بايزيد من الشجاعة ما أبهر الكثير من الجنود في الجيشين، لكن سرعان ما انقلبت الأحوال.

 

انفصلت عدة فرق من الجيش العثماني وانضمت إلى جيش المغول، وهاجموا الجناح الأيسر للجيش العثماني الذي كان تحت قيادة الأمير سليمان بن السلطان بايزيد، فأصبح محاطا من الأمام والخلف، ومع مساعدة القوات الصربية تمكن سليمان من الانسحاب ومعه الصدر الأعظم علي باشا من المعركة، وظل بايزيد يقاتل في القلب مع الانكشارية وقوات الفرسان السيباهي، ومع مرور الوقت دب الإرهاق والتعب في صفوفهم، وعندئذ حاول بايزيد الفرار إلا أن جواده تعرض لإصابة قاتلة، فطوَقته قوات المغول ووقع أسيرا لديهم، لتُكتب الهزيمة النكراء في تاريخ الدولة العثمانية الفتية في أنقرة.

 

تيمورلنك واصل سيره بعد هزيمة بايزيد إلى مدينة بورصة حيث تعقب الأمير سليمان، لكنه كان قد غادرها، فدخل تيمورلنك المدينة وسلبها ونهبها وأحرقها، ويُقال أنه تسبب في ضياع كُل الأرشيف العُثماني العائد لِزمن السلاطين مُراد الأوَّل وأباه أورخان وجده عثمان المؤسس.

 

وحسب المؤرخين، فإن تيمورلينك وصل بعد ذلك إلى مدينة سميرنا آخر القلاع المسيحية في آسيا الصغرى والتي لم ينجح الأتراك في فتحها خلال محاولات عديدة، إلا أن جنود المغول حاصروها لمدة أسبوعين فقط قبل أن يتمكنوا من اقتحامها.

 

ما بعد معركة أنقرة والصراع الدموي لأحفاد المؤسس عثمان

 <><> 

وكان من نتائج المعركة أن وافقت القسطنطينية وبيرا على دفع الجزية إلى تيمورلنك، وكذلك السلطان المملوكي في مصر، إضافةً إلى أن تيمور أعطى عيسى ومُحمَّد أولاد بايزيد مناطق من الأناضول، فيما واصل سُليمان هروبه حتى وصل إلى أدرنة وتحصَّن بها قبل أن يكون تابعًا لِتيمورلنك أيضًا.

 

أما أبرز النتائج لمعركة أنقرة، هو أن القسطنطينية نعمت بفترة من الراحة دامت 50 عاما بفضل انتصار تيمور، حيث تجزأت الدولة العثمانية إلى عدّة إمارات صغيرة، فاستقل عنها البُلغار والصرب والأفلاق، وما زاد الخطر على هذه الدولة عدم اتفاق أولاد بايزيد على تنصيب أحدهم، وانشغلوا بصراع دموي فيما بينهم كاد أن ينهي الدولة العثمانية.

 

الأشقاء استنجدوا بتيمورلنك، الرجل الذي تسبب في كل هذه الفتن والمفاسد،وهو من جهته شجَعهم على الثبات في الحرب ضد بعضهم حتى لا تقوم لِلدولة العُثمانيَّة بعدهم قائمة.

 

الأمير سليمان الذي فر  من معركة أنقرة وأعلن تبعيته لتيمورلنك، استقر في مدينة أدرنة حيث ولاه الجنود سلطانًا، وتحالف مع الإمبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني وتزوَّج إحدى قريباته، ليُساعده على هزيمة إخوته الباقين عيسى ومحمد وموسى.

 

أما الأمير عيسى فقد جمع الجنود الذين كانوا معهُ في مدينة بورصة حيثُ كان مُختفيًا، وأعلن نفسه عاهلًا للدولة العثمانية، عندما بلغهُ خبر وفاة والده، ودخل في صدام مع أخيه الأمير محمد الذي كان قد استخلص من جنود تيمورلنك مدينتي توقاد وأماسية بعد معارك دارت بينهم في الأناضول.

 

وتمكن الأمير محمد من هزيمة أخيه عيسى في عدة معارك حتى قتله في الأخيرة منها، وبعد ذلك استخلص أخيه موسى من أمير كرميان ووضعه على رأس جيش جرار وأرسله إلى أوروپا لمحاربة أخيه سُليمان، حيث قتله خارج أسوار مدينة أدرنة.

 

الأمير موسى طمع في الحكم بدوره، وأراد الاستقلال ببلاد الدولة في أوروپا، وحاصر القسطنطينية لِيفتحها لنفسه، إلا أن الإمبراطور البيزنطي استغل صراع الأخوة واستنجد بالأمير محمد الذي لبى النداء وسارع إلى قتال أخيه وهزمه وألزمهُ برفع الحصار عنها.

 

ولم يكتفِ محمد بهزيمة موسى، حيث تحالف مع الإمبراطور البيزنطي وقيصر الصرب وبثُّوا الدسائس في صفوف جيش موسى، حتى خانهُ أغلب قادته ووقع أسيرًا بين يدي أخيه مُحمَّد، الذي أمر بِقتله لينفرد بذلك بملك ما بقي من بلاد آل عُثمان.

معركة أنقرة.. لعنة تيمورلنك التي أشعلت الصراع الدموي بين أحفاد المؤسس عثمان
محمود جبريل

تعليقات

google-playkhamsatmostaqltradent